الرئيسيةمحلياتالوعي الأسري والاحتواء العاطفي خط الدفاع...
محليات

الوعي الأسري والاحتواء العاطفي خط الدفاع الأول لحماية الأبناء من خطر المخدرات

29/06/2026 13:00

يُشكّل وقوع أحد الأبناء في شرك المخدرات واحدة من أقسى التجارب التي قد تمر بها الأسرة، حيث تتزاحم في نفوس الوالدين مشاعر متضاربة تجمع بين الخوف على مصير الابن، والإحساس بخيبة الأمل والفقدان، بالإضافة إلى القلق من نظرة المجتمع المحيطة بهم.

هذه العاصفة من المشاعر تضع الأسر أمام مفترق طرق: إما التكتم على ما يصفونه بـ”المصيبة” ومحاولة معالجتها بطرق غير منهجية غالباً ما تبوء بالفشل، أو التوجه إلى الجهات المختصة لطلب النصيحة والاستشارة ومن ثم الشروع في العلاج والتأهيل. ولا يمكن الفصل بين هذين الخيارين إلا بوجود الوعي والنضج الأسري والقدرة على وضع الأمور في سياقها الصحيح.

أول قواعد الوعي الأسري بمكافحة آفة الإدمان تبدأ بإدراك أن المدمن هو شخص مريض يحتاج إلى علاج متخصص، وأنه قد انزلق إلى هذه الآفة في لحظة ضعف في وعيه الشخصي، أو بسبب رفقاء سوء عابرين، أو بدافع من الفضول غير المحسوب الذي يدفع الشباب إلى تجربة المحظور. والواجب أن يُعامل هذا الابن بحكمة وتجرد من اللوم القاسي، وتشجيعه على طلب المساعدة والدعم العلاجي والتأهيلي.

مسؤولية مشتركة

تبذل دولة الإمارات جهوداً استثنائية لقطع الطريق أمام تسلل المخدرات إلى المجتمع، عبر ملاحقة المروّجين ومحاسبة كل من يحاول العبث بالثروة الوطنية الأغلى المتمثلة في الشباب. غير أن هذه الجهود لا تحقق أهدافها بالكامل إلا بتكاملها مع جهود المجتمع والأسر، خاصة في ظل هيمنة العالم الرقمي الذي يتجاوز كل الحدود ويصل إلى الأبناء داخل بيوتهم وبين أسرهم وأصدقائهم. لذا فإن حماية المجتمع لا تعتمد فقط على صرامة الإجراءات، بل تستوجب قوة الوعي والفكر وتماسك الأسر ونضج المجتمع.

في هذا الإطار، انطلقت الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات تحت شعار “توحيد الصف لاستئصال الآفة”، والتي أطلقها الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات في الدولة بالتعاون مع المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات. تسلط الحملة الضوء على دور الوعي الأسري في الكشف المبكر عن تسلل الآفة إلى الأبناء، وتحدد أبرز العلامات التي يجب على الآباء والأمهات ملاحظتها، والتي قد تشير إلى احتمال وقوع الابن في براثن المخدرات، مما يمنح الأسرة القدرة على التدخل الإيجابي في الوقت المناسب، باعتبار الأسرة خط الدفاع الأول وصاحبة الدور الأهم في حماية الأبناء. كما تدعو الحملة إلى تعزيز الثقة والحوار والاحتواء داخل البيت، وتقديم يد العون للأسر لمساعدة أبنائهم في العلاج والتأهيل.

الشباب والمراهقون الأكثر عرضة للخطر

تُعد فئتا الشباب والمراهقين من بين الشرائح الأكثر تعرضاً لخطر البدء في تعاطي المواد المخدرة والإدمان عليها. وتشجع مجموعة من العوامل وقوع الأبناء ضحايا لهذه الآفة، أبرزها ضعف المهارات الوالدية وإهمال احتياجات المراهق العاطفية، والتفكك الأسري أو التفكك الخفي بين الزوجين الذي يشكل بيئة خصبة لانسحاب الأبناء من رقابة المنزل. كما تسهم قلة المهارات الاجتماعية والحياتية لدى الشباب، إلى جانب التأثير الكبير لرفقاء السوء في المجتمع والمدرسة، وغياب ثقافة الحوار داخل المنزل وتحوله إلى قاعات محاكم عائلية صارمة، في جعل الأبناء فريسة سهلة لرفقاء السوء، بحثاً عن الأمان خارج البيت.

أبحاث ودراسات دولية تؤكد الدور الأسري

تؤكد أبحاث ودراسات دولية أن البيوت التي تسودها النزاعات والجفاف العاطفي ترفع خطر انجراف الأبناء نحو التعاطي بنسبة تصل إلى 50%، مما يجعل التفكك الأسري خطراً داهماً يستغله المروجون. كما تثبت الدراسات أن تفاصيل بسيطة مثل تناول الوجبات مع الأبناء بانتظام تخفض نسب إقبالهم على السلوكيات الخطرة بمعدل 33%، بفضل الأمان النفسي الذي تبثه الأسرة في وعي الابن.

ويشكل وعي الأسرة وحرصها الدائم على أبنائها وملاحظتها المستمرة لسلوكاتهم الحصن الأقوى لحمايتهم من فخ التعاطي. وتشير نتائج دراسات عالمية حول الفجوة الإدراكية بين الآباء والأبناء، وأبرزها دراسات المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة وأبحاث جامعة ميشيغان، إلى أن 85% من الأبناء الذين يقعون في فخ التعاطي بدأت علاقتهم بالسلوكيات الخطرة (كالتدخين أو مصاحبة رفقاء السوء) دون أن يلاحظ الأهل ذلك لمدد تتراوح بين 6 أشهر إلى سنة كاملة، بسبب غياب الملاحظة المبكرة والتواصل اليومي.

علامات كاشفة

بالرغم من عدم وجود إطار زمني ثابت بين بداية تعاطي المخدرات والوصول إلى مرحلة الإدمان، وذلك حسب نوع المادة المخدرة وطريقة التعاطي والعوامل البيولوجية والنفسية للفرد، إلا أن هناك مجموعة من العلامات التي يمكن للأسر ملاحظتها في الأبناء والتي قد توحي بتعرض أحدهم للآفة. وتتمثل هذه العلامات في تغير كبير في المزاج والطباع، والشعور الدائم بالقلق، وفقدان الاهتمام بالهوايات الفنية أو الرياضية، وتحول ملحوظ من النشاط إلى الخمول والتكاسل والإرهاق من أدنى مجهود، والتغيب المتكرر عن المدرسة وتراجع الأداء الدراسي، وضعف التركيز وتشتت الانتباه، والانطوائية والابتعاد تدريجياً عن الأسرة، وكثرة طلب المال دون مبررات، وتكوين صداقات جديدة بشكل مفاجئ، حيث يبدأ المراهق بالانسحاب من دائرة الأصدقاء الملتزمين وينتقل إلى معارف جدد ذوي طبيعة مختلفة. كما تشمل العلامات الأرق واضطرابات النوم مع احمرار في العينين وهالات سوداء حولها، وفقدان الشهية والطعام بشكل تدريجي.

ومع ذلك يجب التأكيد على تداخل بعض هذه الأعراض مع الأعراض الشائعة لمرحلة المراهقة، مما يستدعي التعامل بحذر معها، وعدم التسرع في الاستنتاج أو توجيه أصابع الاتهام إلى الأبناء. وبدلاً من ذلك، ينبغي تبني أساليب أسرية إيجابية وملهمة تعمل على تمكين الشباب والأسرة من مواجهة التحديات والمخاطر الناشئة عن هذه الآفة، وطلب الدعم في العلاج والتأهيل في سرية مطلقة عبر خدمة “حصن” على الرقم 80044.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *