هل نحن على أعتاب انتهاء زمن أمراء الحرب في لبنان؟

عندما يصف أحد أبرز أركان السلطة اللبنانية، وهو محامٍ يمسك بمفاصل التشريع منذ أكثر من ثلاثين عاماً، الاتفاق بأنه “فتنة”، يطرح المواطن اللبناني العادي سؤالاً جوهرياً: إذا كان هذا المسار فتنة فماذا يكون السلام؟ وإذا كانت استعادة الدولة لقرارها السيادي فتنة فماذا نسمي العقود الطويلة التي عاش فيها لبنان رهينة المحاور والسلاح الخارج عن سلطة الدولة والحروب التي لا تُحصى خسائرها من أرواح وأموال وأرزاق؟
وربما يتذكر هذا المحامي أكثر من غيره القاعدة القانونية التي تنص على أن من يسعى لكسب دعوى يجب أن ينجح في مرحلتين: عند صدور الحكم وعند تنفيذه. فهل يسعى مرة أخرى لعرقلة التنفيذ ليبقى القرار مجرد حبر على ورق مهما بلغت أهميته؟
إذا كان الحكم القاضي بإنهاء الصراع اللبناني – الإسرائيلي قد صدر سياسياً فإن تنفيذ هذا الحكم جرى منعه مراراً وبشكل خاص بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. allora نجح “الزوج” الذي سيطر على الحياة السياسية والأمنية في لبنان، بدعم من راعيتين إقليميتين في دمشق وطهران، في قطع الطريق على الانتقال من زمن الحرب إلى زمن الدولة. لذا بقي الصراع قائماً رغم زوال مبرراته الأصلية، وأُبقي لبنان ساحة مفتوحة ومعلّقة بين الحروب والتسويات.
التحدي بين الحكم والتنفيذ
اليوم يبدو أن المعركة الحقيقية ليست حول صدور الحكم بل حول تنفيذه. فهناك من يدرك أن تطبيق هذا المسار حتى نهايته لا يعني فقط إنهاء نزاع عمره عقود، بل يعني أيضاً نهاية النظام السياسي والأمني الذي عاش على هذا النزاع واستمد منه جزءاً كبيراً من نفوذه وشرعيته.
من هنا تكتسب التطورات التي انطلقت من واشنطن أهمية استثنائية. فالقضية لم تعد تقتصر على ترتيبات أمنية أو حدودية، بل أصبحت تعيد طرح السؤال الذي تهرب منه لبنان لعقود: هل تكون الدولة صاحبة القرار النهائي أم تبقى السلطة الفعلية موزعة بين مؤسسات رسمية وأمراء حرب وقوى مرتبطة بمحاور إقليمية؟
ما جرى في واشنطن ليس حدثاً عادياً في تاريخ لبنان ولا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تفاهم أمني أو اتفاق تقني بين دولتين. ما حصل قد يكون بداية تحول كبير في مسار بلد عاش لعقود طويلة أسيراً للحروب والصراعات والمحاور الإقليمية، كمن يرمي لمنافع شخصية وفئوية… فلبنان الذي بدأ يفقد تدريجياً سيطرته على قراره الوطني منذ اتفاق القاهرة عام 1969، ثم دخل في دوامة الحروب الأهلية والوصايات والصراعات المفتوحة، يجد نفسه اليوم أمام فرصة نادرة لاستعادة مفهوم الدولة الذي تآكل على مدى أكثر من نصف قرن.
دور واشنطن والضغط الإقليمي
لكن نجاح هذه الفرصة مرتبط أولاً بمدى جدية الولايات المتحدة في استكمال ما بدأته. فاللبنانيون يملكون أسباباً كثيرة للحذر. ففي عام 1958 حضرت واشنطن بأسطولها إلى لبنان في لحظة مفصلية ثم غادرت عندما اعتقدت أن مهمتها انتهت. وفي عام 1983 دعمت، بأساطيلها أيضاً، مشروعاً كبيراً لإعادة بناء الدولة اللبنانية ثم انسحبت بعد تفجير قوات المارينز، تاركة لبنان لموازين القوى التي حكمت المنطقة لعقود تالية. لذلك يبقى السؤال المشروع اليوم: هل تعلمت الولايات المتحدة من تجارب الماضي؟ وهل تبقى هذه المرة حتى النهاية لضمان ولادة استقرار حقيقي أم ستكتفي بإدارة مرحلة عابرة ثم تترك اللبنانيين لمصيرهم вновь؟
وفي المقابل فإن أي مشروع استقرار لا يمكن أن ينجح إذا لم يُترجم إلى التزام فعلي من إسرائيل بمنطق السلام. فالمنطقة دفعت أثماناً باهظة نتيجة الحروب المتكررة، ولم يعد ممكناً بناء مستقبل مختلف إذا بقيت لغة القوة العسكرية تتقدم على لغة التسويات السياسية. لذلك فإن الدور الأمريكي لا يقتصر على رعاية الاتفاقات بل يفترض أن يشمل ضمان تنفيذها وإلزام جميع الأطراف باحترامها. فكما أن على لبنان أن يستعيد دولته، على إسرائيل أن تثبت أنها تريد سلاماً دائماً لا هدنة مؤقتة، وأن تترجم ذلك بالانسحاب من أي نقاط متبقية موضع نزاع ووقف منطق إدارة الصراع بالقوة العسكرية.
لكن النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للبنان تبقى استعادة الدولة لقرارها السيادي. فجوهر الأزمة اللبنانية لم يكن يوماً في الحدود فقط بل في وجود أكثر من مركز قرار داخل الدولة الواحدة. ولا يمكن الحديث عن سيادة فعلية فيما قرار الحرب والسلم لا تحتكره المؤسسات الشرعية وحدها. الجميع يدرك أن السلاح الموجود خارج إطار الدولة اللبنانية ارتبط طوال سنوات طويلة بحسابات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية، وأن القرار النهائي في قضايا مصيرية كثيرة لم يكن يصدر دائماً من بيروت. portanto فإن أي مسار جدي لإنقاذ لبنان يجب أن يقود في نهاية المطاف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وحدها، بحيث يصبح الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية المرجعية الوحيدة لكل ما يتعلق بالأمن والدفاع والسياسة الوطنية.
إذا كانت واشنطن قد قررت هذه المرة الذهاب إلى نهاية الطريق، فإن عليها أن تدرك أيضاً أن معالجة هذه المسألة لا تكون في بيروت وحدها. فالجميع يعلم أن القرار الاستراتيجي للقوة المسلحة الأكبر خارج الدولة اللبنانية لم يكن في جوهره قراراً لبنانياً خالصاً بل جزء من منظومة إقليمية تقودها طهران. لذلك فإن أي تسوية مستدامة تتطلب ضغطاً جدياً ومباشراً على إيران، ليس بهدف صناعة مواجهة جديدة بل بإنهاء حالة الاستثناء اللبنانية وإعادة القرار اللبناني إلى مؤسساته الدستورية.
آثار الاستقرار على الاقتصاد والقضية الفلسطينية
غير أن حصر النقاش بالشق الأمني وحده يُفوّت على اللبنانيين رؤية الصورة الأكبر. فما يُعاد رسمه اليوم لا يقتصر على ترتيبات حدودية أو أمنية بل يشمل الخريطة الاقتصادية لشرق المتوسط خلال العقود المقبلة. فالمنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الطاقة والغاز وممرات التجارة والاستثمار ومشاريع الربط البري والبحري. ولبنان، إذا استعاد استقراره، يمتلك موقعاً جغرافياً يؤهله ليكون جزءاً أساسياً من هذه التحولات بدل أن يبقى على هامشها.
كذلك لا يمكن تجاهل أن بعض دول الجوار، مهما تبدلت الظروف السياسية، تبقى بحاجة إلى منافذ طبيعية على البحر المتوسط، وأن المرافئ اللبنانية قادرة على استعادة دورها التاريخي كبوابة اقتصادية للمنطقة بأسرها. ومن هنا فإن استقرار لبنان لم يعد مجرد مطلب لبناني داخلي بل أصبح جزءاً من شبكة مصالح اقتصادية إقليمية واسعة يمكن أن تغيّر وجه المنطقة خلال السنوات المقبلة. لذلك فإن السلام ليس شعاراً سياسياً فحسب بل شرط أساسي لازدهار اقتصادي ينتظره ملايين الناس من بيروت إلى بغداد ومن دمشق إلى الخليج.
وفي السياق نفسه لا يمكن بناء سلام دائم من دون معالجة عادلة للقضية الفلسطينية. وعندما يحصل الفلسطينيون على حقوقهم المشروعة وفقاً لحل الدولتين ستفقد كثير من القوى التي بنت نفوذها على استثمار هذه القضية إحدى أهم أوراقها السياسية والأيديولوجية. وعندها يصبح الحديث عن الدولة والسيادة والتنمية أكثر واقعية من الحديث عن الساحات المفتوحة والمحاور العابرة للحدود.
لهذا السبب فإن ما يجري اليوم لا ينبغي النظر إليه بوصفه انتصاراً لفريق على آخر ولا لمحور على محور ولا لطائفة على أخرى. الرهان الحقيقي هو على انتصار فكرة الدولة نفسها بعد عقود طويلة من تراجعها. دولة تحتكر السلاح، وتدير علاقاتها الخارجية من خلال مؤسساتها، وتضع مصالح مواطنيها فوق مصالح المحاور الإقليمية.
ويبقى الأمل أن تكون واشنطن قد تعلمت من دروس 1958 و1983 و2005، وأن تدرك أن ترك لبنان في منتصف الطريق كان دائماً وصفة لأزمات أكبر. فإذا التزمت هذه المرة حتى النهاية، وألزمت إسرائيل فعلاً بخيار السلام، وضغطت في الوقت نفسه لمعالجة جذور المشكلة الإقليمية لا أعراضها فقط، فقد يكون ما بدأ في واشنطن أكثر من مجرد اتفاق. قد يكون بداية نهاية زمن أمراء الحرب، وبداية عودة لبنان إلى نفسه دولةً طبيعية بين دول العالم.



