الرئيسيةعربي و عالميالمونديال يفتح باب الدموع للرجال: بين...
عربي و عالمي

المونديال يفتح باب الدموع للرجال: بين الهوية العاطفية والرياضة

15/06/2026 15:00

في عالم كرة القدم، قد تتسلل دمعة إلى عيني الرجل ليس بسبب انتصار أو هزيمة فحسب، بل لأن لحظة الهدف تثير في داخله ذكريات قديمة: مقعد قديم بجوار والده، شارع يعلو صراخه بعد كل مباراة، أو قميص يحمل عبق الماضي أكثر من اسمه.

هذه الرياضة لا تلامس الأقدام فحسب، بل تمس الذاكرة، ولذلك قد ينكسر أمامها رجلٌ لم يعتد على البكاء في مواقف أخرى.

المونديال كمنصة للانفتاح العاطفي

عند انطلاق كأس العالم، تزداد تلك الدموع وضوحًا؛ فالمسابقة لا تقتصر على كونها منافسة كروية، بل تصبح مظلة عالمية تمنح الرجال، ولو مؤقتًا، إذنًا للانقياد إلى مشاعرهم دون وصمة العيب. في تلك اللحظات، لا يُنظر إلى البكاء كدليل على الضعف، بل كتصرف إنساني مقبول، سواء أكان ذلك في المدرجات أو أمام شاشات التلفاز أو في صمتٍ بعد صافرة النهاية.

مساحة آمنة للتعبير

ليس هذا السلوك عبثيًا أو مجرد طرافة، بل يتماشى مع ما يحدده علم النفس الاجتماعي والرياضي من مفهوم الهوية الجماعية. فالمشجع لا يقتصر على قول “الفريق فاز”، بل يضيف “فزنا”، ولا يكتفي بـ”الفريق خسر”، بل يردد “خسرنا”. بهذه الصياغة يصبح النادي جزءًا لا يتجزأ من تعريف الذات والانتماء.

في الثقافة السائدة، يُطلب من الرجال كتم هشاشتهم وتحويل الحزن إلى صمت، والخوف إلى غضب، والحنين إلى دعابة. لكن كرة القدم تمنحهم مساحة نادرة للتعبير العاطفي؛ ففي المدرجات أو أمام الشاشات يصبح الصراخ والدموع والاحتضان الجماعي سلوكًا مقبولًا، لأن الحدث يُنظر إليه في إطار تنافسي يُصنّف اجتماعيًا على أنه “رجولي”.

تشير أبحاث عالم الاجتماع إريك أندرسون في كتابه “الذكورة الشاملة” إلى أن ثقافة الرياضة الحديثة أصبحت أكثر تقبلًا للتعبير العاطفي، متجاوزةً القوالب الصارمة للرجولة. وفقًا لمسوحٍ متعلقة بثقافة المشجعين، فإن نحو 80٪ من الرجال لا يرون البكاء في الملعب سلوكًا يتعارض مع الرجولة، بل يعتبروه تجسيدًا للشغف والانتماء. هذه النسبة تُحطّم الصورة النمطية التي حصرَت الرجولة في الصمت والصلابة.

السيكولوجية وراء الترقب

من منظور العلوم السلوكية، تُسهم المباريات الكبرى في رفع مستويات التوتر والترقب لدى المشجع، مما يعزز الانتباه ويزيد الإحساس بالمخاطرة. تُفسَّر هذه الظاهرة من خلال مفهوم “التعزيز المتقطع” لسكينر، حيث إن ندرة الأهداف تجعل لحظة التسجيل مكافأة قوية للدماغ، فتتفاقم صرخة الهدف بفضل الانتظار الطويل.

يمكن تشبيه كرة القدم برواية عظيمة؛ ينتظر القارئ مصير البطل، ويترقب المشجع مصير فريقه. كل تمريرة قد تمثل بداية فصل جديد، وكل ركلة ضائعة قد تبدو كخاتمة مأساوية، مما يدفع المشجعين إلى البكاء كما يبكي القارئ أمام موت شخصية خيالية.

الاستجابة الجسدية للدموع

لا يقتصر البكاء على البُعد النفسي فحسب؛ فالجسد يشارك أيضًا. خلال اللحظات الحاسمة، يشعر المشاهد بارتفاع معدل النبض والتنفس، وقد يتقلب ضغط الدم نتيجة إفراز هرمون الكورتيزول. أظهرت أبحاث سلوك المشجعين أن التوتر قد يرتفع بين 40٪ و60٪ أثناء المباريات المهمة، ما يفسّر خروج الدموع كآلية لتفريغ الضغط الهرموني المتراكم.

تُظهر دراسات أخرى أن الارتباط العاطفي القوي بالفريق ليس مجرد رمزية، بل يترك أثرًا فسيولوجيًا واضحًا؛ فالمشجع يعيش المباراة كأنها جزء من حياته، وبالتالي يزداد التوتر كلما شعر أن هوية الفريق، وهو جزء من هويته، مهددة بالهزيمة.

جيل جديد ي redefining الرجولة

الأجيال الشابة تبدو أكثر تقبلًا للدموع في السياق الرياضي. ففي حين كان يُنظر إلى الدموع تقليديًا كعلامة ضعف، أصبح الآن يُنظر إليها كدليل على الصدق والشجاعة، خاصة عندما تُظهر أمام الجميع ولا يمكن تمثيلها.

تشير مسوحات حديثة إلى أن نحو 72٪ من المشجعين الذكور بين 18 و35 عامًا يعتبرون إظهار المشاعر شجاعة، مقارنة بـ40٪ فقط بين الفئات العمرية الأكبر. هذه الفجوة تُظهر تحولًا واضحًا في تصور الرجولة؛ فالشاب الذي يبكي في المدرجات لا يشعر بأنه يخالف قاعدة اجتماعية، بل يرى في دموعه إظهارًا للصدق والانتماء.

العلاقات شبه الاجتماعية وتأثير الإعلام

تُفسَّر هذه الظاهرة أيضًا من خلال مفهوم “العلاقات شبه الاجتماعية” الذي صاغه دونالد هورتون وريتشارد وول عام 1956، حيث يكوّن الجمهور علاقة عاطفية أحادية الجانب مع شخصية عامة لا يعرفها شخصيًا. في كرة القدم، يتجسد هذا بين المشجع ولاعبيه؛ فالمشجع يعرف تفاصيل سلوك اللاعب، بينما يبقى اللاعب غير مدرك لهذا الارتباط.

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تعمقت هذه العلاقة؛ فالمشجع يتابع اللاعب في التدريبات، السفر، غرفة الملابس، وحتى لحظات الإصابة والعودة. هذا القرب الرقمي يُعطي المشجع شعورًا بالألفة، وعند اعتزال اللاعب أو رحيله عن النادي، يشعر المشجع كأنه يودّع أحد أقربائه.

لم تعد لحظات دموع اللاعبين أو المشجعين في المونديال مجرد مشهد عابر؛ فقد صارت صورًا أيقونية تُنشر على الشاشات ووسائل التواصل بسرعة. يتحول اللاعب الباكي إلى رمز للإنسانية، ما يمنح المشجع في منزله إذنًا غير مباشر للدموع، كما لو قال لنفسه: إذا بكى بطلي أمام العالم، فلماذا أخشى أن أبكي؟

أظهرت دراسات علم النفس الرياضي أن نحو 55٪ من المشجعين في مجموعات منظمة يميلون إلى محاكاة الانفعال أو البكاء من حولهم في اللحظات المكثفة، ليس كتقليد مصطنع، بل كاستجابة تضامنية داخل موجة عاطفية جماعية.

النادي كعائلة رمزية

يتجاوز الارتباط اللاعبين ليشمل النادي بأكمله؛ فله ألوانه، نشيده، ملعبه، تاريخ أبطاله وخيباته. مع مرور الوقت، يتحول النادي إلى عائلة رمزية، ولا يستطيع بعض المشجعين التخلي عنه في أوقات الهزيمة، لأن التخلي يعني فقدان جزء من الذات.

تشير أبحاث دانيال وان في علم نفس المشجعين إلى أن التشجيح يترك آثارًا معرفية وعاطفية وسلوكية واضحة؛ إذ قد تصل تقلبات المزاج لدى المشجعين المتحمسين إلى 75٪ بحسب شدة التعلق ونتيجة المباراة. الفوز يرفع المزاج لساعات أو أيام، بينما الخسارة تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، خصوصًا لأولئك الذين لا يرون النادي مجرد فريق بل جزءًا من سيرتهم الذاتية{

بهذا تتفرد كرة القدم عن غيرها من الفنون والرياضات؛ فهي لا تقدم المتعة فحسب، بل تخلق طقوسًا متكررة تشمل موعد المباراة، القميص، النشيد، الأصدقاء، المقهى، المدرج، التوتر قبل البداية، والحديث الطويل بعد النهاية. هذه الطقوس تشكل رابطًا وجدانيًا قويًا يتحول بمرور الوقت من عادة إلى جزء من السيرة الشخصية للمشجع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *