عربي و عالمي

سوريا ولبنان تسعيان لتحويل الحدود المشتركة إلى شراكة اقتصادية شاملة

سوريا ولبنان تسعيان لتحويل الحدود المشتركة إلى شراكة اقتصادية شاملة

الرؤية الاقتصادية المشتركة

تسعى سوريا ولبنان إلى استغلال الجغرافيا المشتركة بينهما لتصبح بوابة اقتصادية نحو أسواق المنطقة وأوروبا، عبر دمج الاستثمار وإعادة الإعمار والنقل والمرافئ وإزالة العوائق أمام حركة التجارة ورؤوس الأموال. وعُقد المنتدى اللبناني-السوري للاستثمار في بيروت برعاية الرئيس اللبناني جوزاف عون، بمشاركة وفد حكومي سوري واسع ونحو 400 من رجال الأعمال والمسؤولين من البلدين.

يأتي هذا اللقاء في وقت تسعى فيه سوريا لاستعادة عافيتها الاقتصادية بعد سنوات الحرب، بينما يبحث لبنان عن سبل لتحريك اقتصاده وجذب الاستثمارات. ويعقد المنتدى amid إعادة رسم للعلاقات بين بيروت ودمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد، مع توجه رسمي لتحويل العلاقات الاقتصادية من معالجة الملفات العالقة إلى شراكات واستثمارات ومشاريع مشتركة.

البعد اللوجستي والنقلي

لم تقتصر نقاشات المنتدى على التبادل التجاري، بل شملت الاستثمار وتمويل الاقتصاد وإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، إلى جانب النقل والمرافئ وسبل الوصول إلى الأسواق الإقليمية. وتشترك سوريا ولبنان بحدود برية طولها نحو 375 كيلومترًا تضم ستة معابر، تتكون من جبال وأودية وسهول، دون علامات أو إشارات في مناطق منها تدل على الحد الفاصل بين البلدين.

منذ استقلال البلدين عن الانتداب الفرنسي، ظل ترسيم الحدود ملفًا عالقًا ينتج عنه توترات دبلوماسية واشتباكات مسلحة من حين لآخر، فضلاً عن مشكلات التهريب عبر الحدود.

العوائق التجارية والفرص الاستثمارية

رأى وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط أن أهمية المنتدى تكمن في أنه يفتح “صفحة جديدة” في العلاقات بين البلدين بالتزامن مع تحولات كبيرة تشهدها المنطقة. وأضاف أن العلاقة بين لبنان وسوريا “لا تشبه أي علاقة بين أي دولتين أخريين” نظراً للروابط الجغرافية والتاريخية والعائلية، وأن التغيرات الإقليمية بما فيها الحروب وتغير أنماط التجارة والحواجز الجمركية “تغير خريطة المنطقة”.

وأوضح البساط أن الاقتصادين اللبناني والسوري “يكملان بعضهما” ولا يلزم تحويلهما إلى “اقتصادين متنافسين”، بل الاستفادة من عناصر التكامل وربطها بالخريطة الاقتصادية الجديدة للمنطقة التي تربط البحر المتوسط بالأسواق العربية عبر مسارات برية تصل إلى تركيا والأردن والعراق ودول الخليج. وأشار إلى أن المسار بدأ منذ مايو/ أيار الماضي على المستوى الحكومي مع تشكيل لجنة وزارية عليا تبحث نحو 40 بروتوكولاً واتفاقية، بينها اتفاقية اقتصادية، وأن المنتدى ينقل هذا المسار إلى القطاع الخاص ويضعه في صلب العملية، فيما يتركز دور الحكومات على “تهيئة الأرضية” المناسبة للاستثمارات.

الاستثمارات المتبادلة والآفاق الإقليمية

من الجانب النقل، قال وزير النقل السوري يعرب بدر إن مهمة المنتدى تتمثل في تعريف المستثمرين السوريين واللبنانيين بآفاق العمل المشترك، بينما تقع على عاتق الحكومتين توفير مستلزمات التعاون كالبيئة التحتية والطرق والنقل والتسهيلات الحدودية. وأكد أن تسهيل انتقال الأشخاص والمركبات والبضائع والأموال والمعلومات بين البلدين شرط أساسي لتحقيق “التكامل الاقتصادي” الذي يمكن أن يصبح محركًا للإنتاج وتحسين مستوى الرفاه.

من ناحيته، ربط رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية محمد شقير نجاح المرحلة الجديدة بقدرة الحكومتين على ترجمة التقارب السياسي إلى إجراءات عملية، معتبرًا أن مشاركة وفد سوري رفيع المستوى يضم عددا من الوزراء تمثل رسالة إلى لبنان بشأن اهتمام دمشق بتطوير العلاقات، وأن القرار السياسي بفتح مرحلة جديدة من العلاقات قد اتخذ. وأشار إلى وجود 42 اتفاقية قديمة يجري العمل على تعديلها، ودعا الحكومة اللبنانية إلى الإسراع في إنجازها تمهيدًا لإعادة توقيعها.

ورأى شقير أن الفرصة الاقتصادية لا تقوم على المنافسة بين الاقتصادين بل على الشراكة، موضحًا أن لدى اللبنانيين خبرات ووكالات وقدرات يمكن أن تساعد في مرحلة التعافي السوري، بينما يمكن للاقتصاد السوري أن يشكل مجالًا مكملًا للاقتصاد اللبناني. وحدد ثلاثة ملفات يرى ضرورة معالجتها بعد المنتدى: إلغاء الإذن المسبق بين البلدين، ومعالجة الفوارق في الرسوم الجمركية المفروضة على الصادرات، وضمان معاملة الشاحنات اللبنانية في سوريا بالمثل مع الشاحنات السورية في لبنان.

من جانب organizers، قال أحمد هاشمية إن المنتدى لا ينظر إلى التعاون اللبناني-السوري كموضوع تجاري محدود، بل يربطه بمسار أوسع لإعادة تنشيط الاقتصادين وفتح المجال أمام المستثمرين. وأضاف أن سوريا بدأت مرحلة تعافٍ، بينما يحتاج لبنان إلى التعافي بعد الحرب، والهدف هو أن يسير البلدان في هذا المسار بصورة متوازية. ويهدف المنتدى إلى جمع الخبرات والشركات ورؤوس الأموال والحكومات لتبديد المخاوف لدى المستثمرين وتشجيع السوريين على الاستثمار في لبنان واللبنانيين على الاستثمار في سوريا.

ولفت هاشمية إلى أن الحكومة اللبنانية تعمل على مراجعة الاتفاقيات السابقة بين البلدين تمهيدًا لإعادة صياغتها بما يضمن حقوق المستثمرين من الجانبين، واختصر العلاقة الاقتصادية بين البلدين بالقول إن لبنان وسوريا بمثابة “رئة واحدة”، وأن تعافي أحدهما يمكن أن يساعد الآخر، مستندًا إلى ما يراه من تكامل في الخبرات والقدرات والفرص الاستثمارية.

أما بخصوص الربط السككي الإقليمي، فقد رأى هاشمية أن مشروع الربط السككي بين سوريا وتركيا مهم بالنسبة للبنان، وأن وصول لبنان إلى سوريا وربط الأخيرة بتركيا يمكن أن يفتح طريقًا نحو الأسواق الأوروبية. وأكد شقير أن استفادة لبنان من هذا المسار ستكون كبيرة، إذ أن ربط لبنان بسوريا ثم بتركيا يعني الوصول إلى أوروبا عبر شبكة نقل إقليمية أكثر تكاملًا.

وأفاد أن يوم الاثنين بحث وزير النقل السوري يعرب بدر ومدير النقل البري والبحري اللبناني مازن بصبوص تعزيز الربط البري والبحري والرقمي بين البلدين. وقبل ذلك، في 14 سبتمبر/ أيلول الجاري، بحث وفد من وزارة النقل والمؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية في لبنان إعادة تفعيل الربط السككي بين البلدين وفق وكالة “سانا”. وفي 25 أغسطس/ آب الماضي، أعلن بدر ونظيره اللبناني فايز رسامني، عقب مباحثات في دمشق، التوصل إلى تفاهمات لتطوير النقل والخدمات اللوجستية، وتشكيل فريق فني لمتابعة التنفيذ، ووضع خطط لمشاريع الربط السككي بين البلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *