المنتج الزراعي المحلي يحقق طفرة في الطلب ويعيد تشكيل أسواق التجزئة الإماراتية

أظهر مسؤولو قطاع التجزئة ارتفاعاً ملحوظاً في طلب المستهلكين على المنتجات الزراعية المحلية، حيث تجاوزت نسبة الطلب على “المحلي” ستين بالمائة منذ انطلاق العام الحالي. هذا الارتفاع يأتي في ظل تحول نوعي واضح شهدته الزراعة في الدولة خلال السنوات الأخيرة، تحول لم يقتصر على تحسين مستويات الإنتاج فحسب، بل امتد إلى إعادة تعريف مفهوم الاكتفاء الزراعي في بيئة تعاني من تحديات مناخية وشح مائي.
نمو الثقة بالمنتج المحلي
أصبحت منتجات تحمل شعار “زرع في الإمارات” تظهر على رفوف منافذ البيع، ما يعكس تزايد ثقة المستهلك في جودة وتنوع السلع المحلية وقدرتها على منافسة المستوردين. وقد تحقق هذا التغيير بفضل جهود متكاملة بين المزارعين والجهات المختصة، حيث نجح عدد متزايد من المزارعين في تبني تقنيات حديثة مكنتهم من زراعة محاصيل غير مألوفة في البيئة الإماراتية، بل وإنتاجها خارج مواسمها التقليدية.
قصص نجاح ملهمة
رصدت صحيفة “البيان” مجموعة من قصص النجاح التي تجسدت في تجارب مزارعين ورواد أعمال داخل منافذ البيع. هذه التجارب تحولت إلى نماذج ملهمة تُظهر إمكانات نهضة زراعية مستدامة، وتؤكد على أهمية استمرار الدعم الحكومي وتوفير البنية التحتية والتقنيات المتقدمة لتعزيز تنافسية المنتج المحلي وتعزيز دوره في منظومة الأمن الغذائي. وقد لُوحظ حضور واضح للمنتج المحلي كأولوية لدى تجار التجزئة.
وعن تفاصيل هذه النجاحات، صرح علي سالم الضنحاني بأن الأراضي الإماراتية “مباركة” وتستطيع استيعاب تنوع واسع من المحاصيل، شريطة توافر المعرفة الزراعية المتخصصة والخبرة العملية. وأوضح أن الزراعة لم تعد تعتمد على الجهد التقليدي فقط، بل أصبحت قائمة على تراكم الخبرات وتبادلها بين المزارعين، إضافة إلى الاستفادة من الدراسات الحديثة التي تسهم في تحسين الإنتاج ورفع كفاءته.
وأشار إلى تجاربه الشخصية في استثمار مختلف المواسم لزراعة الخضروات والفواكه، بما فيها محاصيل غير تقليدية مثل الموز، وإنتاج العسل الذي أصبح علامة فارقة في إنتاجه. وأكد أن هذه النجاحات نتجت عن سنوات من التعلم والتجربة، مما مكنه من فهم طبيعة الأرض ومتطلباتها، مشدداً على أن المزارع الإماراتي يمتلك القدرة على تحقيق إنتاج نوعي ومتنوع إذا ما حظي بالدعم المناسب من أدوات حديثة وإرشاد زراعي.
التعلم المستمر وتوسيع نطاق الفواكه
من جانبه، أوضح سعيد محمد أن زراعة الفواكه في الإمارات لم تعد مستبعدة، حتى للأصناف التي لم يكن لها وجود سابق في البيئة المحلية. وأوضح أن العامل الحاسم يكمن في امتلاك المعرفة الدقيقة بأساليب الزراعة الحديثة. وأشار إلى أن التجربة الزراعية قد لا تنجح من المحاولة الأولى، لكن الشغف والإصرار يشكلان عنصرين أساسيين يدفعان إلى التعلم المستمر وتطوير الأساليب لتتناسب مع طبيعة الأرض والمناخ.
وبفضل نهج علمي مدروس، تمكن المزارعون من إنتاج فواكه ذات جودة عالية من حيث الطعم والحجم والكمية، لتضاهي المنتجات المستوردة. وأوضح وجود نماذج ناجحة لزراعة أصناف كانت تُستورد سابقاً، مثل التين والعنب، بل وتم زراعتها في الحقول المفتوحة خارج البيوت المحمية، ما يدل على تطور ملحوظ في قدرات القطاع الزراعي المحلي.
أكد الضنحاني أن الدعم الحكومي يلعب دوراً محورياً في تعزيز هذه النجاحات، من خلال توفير التقنيات الحديثة والإرشاد الزراعي، وأن استمراره سيفتح آفاقاً أوسع لتوسيع زراعة الفواكه وترسيخ مكانة المنتج المحلي في منظومة الأمن الغذائي.
دور التجمعيات والتعاونية في تعزيز الإمدادات
من جهته، أوضح أحمد الكعبي أن تجربة والده في زراعة العنب تمثل نموذجاً ملهمًا للزراعة المحلية المعتمدة على الدراسة والتجربة. فقد استغرق الأمر عدة محاولات لاختيار الأصناف المناسبة قبل التمكن من تكييف ستة أصناف تتلاءم مع البيئة الإماراتية وإنتاجها بكميات تجارية، إلى جانب محاصيل أخرى.
وأكد أن المنتج المحلي الآن يحظى بأولوية واضحة في منافذ البيع، شريطة الالتزام بالمعايير المعتمدة للجودة والسلامة، ما يمنحه قدرة تنافسية قوية أمام المستوردين. وأشار إلى أن الدعم المستمر للمزارعين وتوفير التقنيات والخبرات يعززان هذا التوجه ويساهمان في نمو القطاع الزراعي.
وأفاد مسؤولون في قطاع تجارة التجزئة أن الطلب المتصاعد على المنتجات الزراعية المحلية أدى إلى رفع كميات التوريد إلى متوسط 20 طناً يومياً، أي نحو 35 طناً شهرياً من الخضروات الطازجة، مع تركيز خاص على الأصناف العضوية. وقد جاء هذا التوسع استجابة مباشرة لإقبال المستهلكين المتزايد على المنتجات المحلية التي تتميز بجودتها وأسعارها التنافسية.
وأشار إلى أن العديد من منافذ البيع قامت بتوسيع شبكة الموردين المحليين، مع رفع كميات التوريد اليومية وإدخال أصناف جديدة من الخضروات والفواكه، خصوصاً العضوية، مما يعزز تنوع المعروض واستقراره في السوق.
وفي هذا الإطار، صرح أيوب محمد عبدالله، الرئيس التنفيذي لتعاونية عجمان، أن التعاونية تتعامل مع 13 مزرعة محلية لتوريد مجموعة متنوعة من الخضروات يومياً، تشمل الخيار والطماطم بمختلف أنواعها، إلى جانب الخس والكوسا والباذنجان والجزر والبامية. وأوضح أن متوسط الكميات الموردة يصل إلى نحو 20 طناً يومياً من الخضروات الطازجة، إضافة إلى فواكه موسمية، ما يلامس متوسط 35 طناً شهرياً.
وأشار إلى أن قائمة المنتجات المحلية تشمل البقدونس والكزبرة والجرجير والبصل الأخضر والسبانخ، مؤكداً أن المزارع المحلية تسهم مباشرة في سد أي نقص قد يحدث في الخضروات المستوردة، خصوصاً خلال الفترات التي تتأثر فيها سلاسل الإمداد العالمية.
ومن جهته، أكد محمد الهاشمي، الرئيس التنفيذي لتعاونية الاتحاد، أن التعاونية تواصل تعزيز شراكاتها مع المزارع المحلية لدعم الإنتاج الوطني وضمان استقرار سلاسل الإمداد. وأوضح أن التعاونية لا تقتصر على التعاقد مع المزارعين فحسب، بل توفر قنوات بيع مستقرة ودعمًا تسويقيًا يساعدهم على التوسع.
وأضاف أن الإقبال على المنتج المحلي يشهد نمواً متزايداً، ليس فقط بدافع دعم الاقتصاد الوطني، بل نتيجة ثقة المستهلكين بالجودة العالية، مشدداً على حرص التعاونية على الحفاظ على تنافسية الأسعار لتوازن بين دعم المزارعين وتقديم قيمة مناسبة للمستهلك.
كما أوضح محمد مجدي، مدير إدارة المشتريات في جمعية الإمارات، أن الجمعية عززت شراكاتها مع المزارعين الوطنيين بحيث يتوفر الآن أكثر من 25٪ من المنتجات الطازجة المعروضة في الفروع من السوق المحلي، وتصل أوقات التوصيل بين 24 و48 ساعة من الحصاد، ما يضمن أعلى مستويات الجودة.
وأشار إلى أن المنتجات المحلية، لا سيما العضوية منها، تحظى بإقبال واسع نظراً لجودتها وخلوها من الكيماويات، ما يعزز ثقة المستهلك ويواكب توجهات الاستدامة وتقليل الاعتماد على الاستيراد. وذكر أن متوسط الكميات المتداولة يتراوح بين 25 طناً{ }يوميًا و45 طناً، مع طلب متصاعد تجاوز الستين بالمائة منذ بداية العام.



