الكفاءات البشرية وضغوط العمل يتصدران تحديات قطاع الطاقة في الإمارات

لم يعد الاستثمار في البنية التحتية والتقنيات الحديثة وحدهما محور أولويات قطاع الطاقة في دولة الإمارات، إذ يتزايد الاهتمام ببناء كوادر بشرية قادرة على استيعاب التحولات التشغيلية والرقمية وتحويل الأموال المستثمرة إلى نتائج ملموسة. ويبرز في هذا السياق تطوير المهارات المحلية، وتعزيز القدرة على التكيف، والحفاظ على رفاهية العاملين، بوصفها عناصر أساسية لضمان استدامة نمو القطاع وجاهزيته للتحديات المقبلة.
جاء ذلك في «مؤشر بنتا جلوبال لمرونة صناعة الطاقة 2026»، الذي أعدته شركة «بنتا جلوبال» بالاعتماد على بحث نفذته «سابيو ريسيرش» وشمل 150 مشاركاً من العاملين في منظومة الطاقة والصناعة في الإمارات. وكشف المؤشر عن فجوة بين الثقة في مستقبل القطاع والقدرة العملية للمؤسسات على مواكبة المتغيرات؛ ففيما أعرب 85% من المشاركين عن ثقتهم بقدرة قطاعي الطاقة والصناعة في الدولة على التعامل مع تحديات السنوات المقبلة، رأى 38% أن مؤسساتهم تتكيف مع الظروف الطارئة بوتيرة متوسطة أو أبطأ من ذلك.
المهارات الرقمية في مقدمة الاحتياجات
وتصدرت المهارات الرقمية قائمة المتطلبات التي يتوقع المشاركون تزايد أهميتها خلال السنوات الثلاث المقبلة، إذ اختار 42% مهارات الذكاء الاصطناعي والقدرات الرقمية ضمن أبرز الكفاءات المستقبلية المطلوبة، وجاءت بعدها مهارات الأمن السيبراني وإدارة المخاطر الرقمية بنسبة 34%، ثم الاستدامة وإزالة الكربون بنسبة 29%.
وتعكس هذه الأرقام تحولاً متسارعاً في طبيعة الوظائف داخل القطاع، حيث لم تبقَ الخبرة الفنية التقليدية كافية وحدها لمجاراة متطلبات التشغيل، مع اتساع استخدام البيانات والأنظمة الذكية والأتمتة، وتصاعد أهمية حماية البنية التحتية الرقمية. وأفاد المؤشر بأن 38% من المؤسسات المشمولة بالاستطلاع باتت تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي أو تعمل على تطبيقها.
اقرأ أيضاً: سولارابيك” تعلن عن إطلاق “جوائز سولارابيك الإمارات” لتكريم رواد قطاع الطاقة المتجددة
وعلى الرغم من هذا التوسع، ما زالت المؤسسات تصطدم بصعوبات في تحويل التقنيات الجديدة إلى قيمة تشغيلية؛ فقد قال 36% من المشاركين إن التطور التكنولوجي يسير بوتيرة أسرع من قدرة مؤسساتهم على تطبيقه، وأشار 32% إلى التكلفة كعائق أمام التنفيذ، بينما حدد 31% مخاطر الأمن السيبراني والبيانات في مقدمة العقبات.
توطين الكفاءات… فرصة لم تُستثمر بالكامل
أما على صعيد تنمية الكفاءات الوطنية، فبيّن المؤشر أن 28% فقط من المشاركين يعدّون تطوير المواهب المحلية واحدة من نقاط القوة الرئيسية في قطاع الطاقة الإماراتي، في وقت يرى 91% أن التوطين وبرنامج القيمة الوطنية المضافة يعززان القدرة التنافسية بدرجات متفاوتة.
وتفتح هذه النتائج مجالاً لتقوية الصلة بين الاستثمارات الصناعية ومشاريع الطاقة من جهة، وتطوير الكفاءات الوطنية من جهة أخرى، عبر توسيع الشراكات بين الشركات المشغلة والمقاولين والمؤسسات التعليمية ومراكز التدريب، بما يكفل إعداد كوادر تمتلك المهارات التي تتطلبها المشاريع القائمة والمستقبلية.
اقرأ أيضاً: «أديبك 2026» يضع البنية التحتية وأمن الإمدادات في مقدمة أولويات قطاع الطاقة
ولا يقتصر بناء القدرات البشرية على جذب موظفين يمتلكون مهارات جديدة، بل يمتد إلى إعادة تأهيل العاملين الحاليين، ونقل المعرفة الفنية، والحفاظ على الخبرات المتراكمة داخل المؤسسات، وهي جوانب تزداد أهميتها في المشاريع الكبرى التي تستلزم استمرارية العمليات وتكاملاً بين فرق العمل والموردين والمقاولين، إلى جانب الالتزام بمعايير السلامة والجداول الزمنية.
ضغوط العمل تختبر استدامة الأداء
وفي دلالة لافتة على أهمية بيئة العمل، ذكر 69% من المشاركين أن أعباء العمل والضغوط أثّرت في رفاهية الموظفين داخل مؤسساتهم على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية، ووصف 30% منهم هذا التأثير بأنه كبير. وتزداد هذه النتيجة أهمية في قطاع يعتمد على عمليات تشغيلية متواصلة ومشاريع ذات متطلبات فنية وأمنية عالية في مجال السلامة.
ويربط المؤشر بين قدرة المؤسسات على تطوير مهارات العاملين والحفاظ على أدائهم المستدام، محذراً من أن تجاهل الضغوط المهنية قد يقلص أثر الاستثمارات الموجهة إلى التدريب والتطوير؛ فنجاح التحول التقني لا يقف عند توفير الأنظمة والأدوات، بل يستلزم أيضاً فرق عمل قادرة على استخدامها بكفاءة داخل بيئة تتيح الاستمرارية والإنتاجية.
اقرأ أيضاً: افتتاح «أديبك 2026» بمشاركة 2260 شركة.. منصور بن زايد: الإمارات شريك موثوق لأمن الطاقة
تحديات خارجية وخمس أولويات للقيادات
وتتقاطع هذه التحديات الداخلية مع ضغوط خارجية متصاعدة؛ إذ اختار 43% من المشاركين الاضطرابات الجيوسياسية وأمن الطاقة كأبرز التحديات المتوقعة خلال السنوات الثلاث المقبلة، تلتها زيادة التكاليف والتضخم بنسبة 38%. وأشار المؤشر كذلك إلى أن تقنيات الطاقة المتجددة تتصدر التقنيات المرجح أن يكون لها أثر تحويلي خلال السنوات الخمس المقبلة بنسبة 23%، تليها تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بنسبة 19%.
وتضع نتائج المؤشر خمس أولويات أمام قيادات القطاع، تشمل الاستعداد للاضطرابات، وتوجيه الاستثمارات التكنولوجية نحو نتائج قابلة للقياس، والاستثمار في الكفاءات البشرية، وتعزيز القدرات المحلية، وتوسيع التعاون بين أطراف منظومة الطاقة والصناعة.
وتخلص النتائج إلى أن رفع مرونة قطاع الطاقة الإماراتي يقتضي التعامل مع التكنولوجيا والكوادر البشرية وسلاسل الإمداد كمنظومة واحدة مترابطة؛ فحيازة التقنيات المتقدمة لا تكفي وحدها لبلوغ أهداف القطاع ما لم تتوافر الكفاءات القادرة على تشغيلها وتطويرها، والبيئة المهنية التي تصون خبراتها، والقدرات المحلية التي تدعم استمرارية المشاريع ونموها.
المزيد في قسم اقتصاد




