الرئيسيةعربي و عالميالتشجيع في الملاعب: من جذور تاريخية...
عربي و عالمي

التشجيع في الملاعب: من جذور تاريخية إلى مهنة مستقلة تنافس الرياضات التقليدية

15/06/2026 03:00

يتساءل البعض إذا ما كان التشجيع مجرد رد فعل عفوي يفرغ الطاقة، أو إذا ما تحول إلى نشاط رياضي مستقل يعتمد على أسس منظمة. يبدو السؤال غير مألوف للبعض، لكنه أصبح حقيقة ملموسة في الولايات المتحدة وعدد من دول العالم، حيث يُنظر إلى التشجيع الآن كرياضة وربما كوظيفة.

جذور التشجيع في العصور القديمة

يعود أصل التشجيع إلى أزمنة الألعاب الأولمبية القديمة في أولمبيا اليونانية، وكذلك إلى المدرجات التي احتضنت الفعاليات في الكولوسيوم الروماني. ومع ذلك، ظهر التشجيع كظاهرة مميزة مع صعود الرياضات المنظمة في أواخر القرن التاسع عشر، لا سيما في بريطانيا العظمى والولايات المتحدة.

تطور الهتافات من العفوية إلى التنظيم

تشير تقارير الصحيفة البريطانية “بريتانيكا” إلى أن أصوات الجماهير في بداياتها كانت عفوية وغير منسقة. في الولايات المتحدة، وعلى الرغم من أن الفتيات والنساء يشغلن اليوم الغالبية في هذا المجال، فقد بدأ التشجيع على يد طلاب جامعات ذكور. ومن بين هؤلاء، كان كل من فرانكلين روزفلت، وإيزنهاور، ورونالد ريغان، وجورج بوش قد شاركوا في تشجيع فرقهم خلال سنوات الدراسة.

سُجل أول هتاف منظم في مسابقات جامعية من طراز “IVY LEAGUE” خلال ستينيات القرن التاسع عشر، حيث تأسست أندية الحماس (PEP CLUBS) التي كان يهيمن عليها الذكور. وأقدم هتاف معروف في الولايات المتحدة يعود إلى مباراة كرة قدم في جامعة برينستون عام 1884.

تحولات البنية المادية للملاعب وتأثيرها على التشجيع

مع تزايد شعبية الرياضة في القرن التاسع عشر، توسعت السعة الاستيعابية للملاعب لتستوعب أعداداً أكبر من المتفرجين، ما أدى إلى إبعاد الجمهور عن أرض الملعب. وفقاً للموسوعة البريطانية، فإن القادة الذين كانوا يُدعون “قادة الهتاف” تولوا قيادة الجماهير من الخطوط الجانبية، ليس فقط لتشجيع الفرق بل أيضاً للسيطرة على الحشود.

تزامن صعود دور المشجع مع انتشار كرة القدم الأمريكية. في عام 1898، شهدت جامعة مينيسوتا سلسلة من الخسائر، فأنشأ طالب طب يُدعى جوني كامبل مجموعة لتشجيع الفريق، وقدم أول هتاف مسموع عبر مكبر صوت. يُعتبر 2 نوفمبر 1898 تاريخ ميلاد التشجيع المنظم.

التشجيع الحديث: بين النشاط الترفيهي والمنافسة الرياضية

في الوقت الحاضر، يتجاوز التشجيع حدود البيئة الجامعية، حيث يقدر عدد المشجعين في الولايات المتحدة بأكثر من ثلاثة ملايين شخص، وتنتشر هذه الظاهرة في دول متعددة. يلعب الذكور دوراً مهماً في الفرق المختلطة، حيث يساهمون بالقوة اللازمة لرفع الزميلات أثناء الأداء البهلواني.

على الرغم من أن فرق التشجيع التقليدية تظهر غالباً على هامش مباريات كرة القدم وكرة السلة، فقد ارتفعت شعبية “التشجيع التنافسي” في السنوات الأخيرة. يتنافس الفرق في عروض تستمر قرابة دقيقتين ونصف، تشمل الجمباز، الحركات البهلوانية، الأهرامات، الرقص، والهتاف، وتُقَيَّم من قبل لجنة تحكيم بناءً على الصعوبة، التقنية، الحماس، والمظهر.

هناك أيضاً مسابقة حديثة تُعرف باسم “STUNT”، مخصصة أساساً للإناث، تجمع بين مهارات التشجيع التنافسي في مواجهات مباشرة بين فريقين، لتضيف بُعداً جديداً للحدث بعيداً عن الملعب.

هل يمكن اعتبار التشجيع رياضة؟

بالنظر إلى تاريخ طويل ومجموعة من المهارات المطلوبة، يرى بعض الخبراء أن التشجيع يلتزم بخصائص الرياضة، إذ يتطلب تدريبات مكثفة تشمل رفع الأثقال، تمارين القوة، التحمل، القفز، التوازن والمرونة. تُظهر إحصاءات من جامعة تكساس التقنية أن المشجعين يقضون وقتاً بدنياً يوازي نشاط عدائي في ماراثون، كما تُسجل معدلات إصابة مرتفعة تجعل التشجيع من الرياضات ذات المخاطر العالية.

مع ذلك، يظل السياق الثقافي حائلاً أمام اعتراف أوسع. فقد تم إقرار قانون “الباب التاسع” في السبعينيات لمنع التمييز الجنسي في المدارس الفيدرالية دون أن يُدرج التشجيع ضمن الفئات الرياضية المشمولة. على صعيدٍ آخر، أقرت ولايات كاليفورنيا، نيويورك وتكساس تشجيع المدارس كرياضة، مطلوبةً معايير سلامة وتدريب مماثلة لتلك المتبعة في الرياضات التقليدية.

في عام 2021، اعترفت اللجنة الأولمبية الدولية بالاتحاد الدولي للتشجيع، ما يفتح الباب أمام احتمال إدراجه في الألعاب الأولمبية مستقبلاً. كما أصدرت الرابطة الطبية الأمريكية والأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال سياسات تُصنّف التشجيع كرياضة، مطالبةً بتوفير حماية صحية متساوية للمشاركين.

من ناحية أخرى، يجادل البعض بأن تصنيف التشجيع كرياضة يقلل من قيمة الرياضات التي بُنيت عليها، مؤكدين أن الغالبية العظمى من المشجعين يقتصر دورهم على تقديم عروض داعمة على هامش الفعاليات. ويرى المعارضون أن تعريف الرياضة يشتمل على تنافس بين أطراف، في حين أن معظم المشجعين –حوالي 90٪ في المدارس الثانوية– لا يشاركون في مسابقتي التشجيع.

كما أن الهيئة الوطنية للرياضات الجامعية (NCAA) لا تعترف بالتشجيع كرياضة، ولا يُدرج ضمن نطاق قانون “الباب التاسع” الفيدرالي. إضافة إلى ذلك، يفتقر التشجيع الاحترافي إلى عنصر المنافسة الصارم، معتمداً بصورة أساسية على عروض رقصية بدلاً من الأداء الرياضي.

على الصعيد العالمي، لا يثير التشجيع الأمريكي الكثير من النقاش خارج الولايات المتحدة، غير أن استضافة كأس العالم 2026 في أمريكا أعاد تسليط الضوء على هذه الظاهرة، مما أثار جدلاً حول ما إذا كان التشجيع سيصبح رياضة مستقلة في المستقبل القريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *