محاضرة ابن تيمية في حماة حول مفهوم النفي والعدم بين الفلاسفة العرب

بدأت الحكاية عندما أتى الفقيه ابن تيمية إلى مدينة حماة متسائلاً عن مخاوف الإنسان من فكرة العدم، وكيف استعانت الفلسفات بحيلة النفي لترويض هذا الفراغ الوجودي. استدرك في ذهنه بيت الشاعر زهير بن أبي سلمى: «وأعلم علم اليوم والأمس قبله/ولكنّني عن علم ما في غد عَمِ»، فلاحظ تشويه بعض العرب لمفهوم النفي.
نقد النفي في الفكر العربي القديم
أوضح ابن تيمية أن العربي الأول كان يمتلك بوصلة معرفية حادة تستند إلى الإثبات العياني لما يدركه حواسه في الحاضر والماضي، وعند مواجهته للغيب أو المستقبل يعترف بحدود إدراكه. وأشار إلى قوله المشهور: «أكثر الجهل إنَّما يقع في النفي؛ لأنَّ إحاطةَ الإنسان بما يُثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه»، داعيًا إلى استعادة منطق العرب الأصلي.
الزيارة إلى حماة ومؤتمر المجالس الثلاثة
وصل ابن تيمية إلى حماة حيث راسله بعض أهلها بوجود ثلاثة مجالس تُعقد برعاية أمير المدينة محمود بن المنصور الأيوبي: مجلس مشّائي، ومجلس إشراقي، ومجلس كلامي. سافر معه عدد من تلاميذه وأصدقائه، معتقدًا أنه قبل أن يختلف مع القوم يجب أن يحل إشكالية النفي والعدم، ليُظهر للناس تصور العرب الأصلي لهذه القضايا.
الخطاب في المسجد وموضع الجدل
عند وصوله إلى المسجد، صلّى الجمعة ثم وقف أمام المصلين معلنًا اسمه ونادى شقيقه شرف الدين بن عبدالحليم قائلاً: «يا عبد الله، أتعرف أن العرب يتركون يقين حواسهم وفطرتهم ليغوصوا في ملكوت تجريدي، ثم يقفون أمام الله دون أن يصفه القرآن بصفات الفاعلية، بل ينفون عنه كل شيء فيجعلونه مجرد فكرة بلا صفات؟» أجابه شقيقه بسخرية: «ذاك الشيخ أرسطو»، فاندلع الضجيج داخل المسجد.
حاول خطيب المسجد جلال الدين الرازي كتم حديثه، وتدخل صدر الدين ابن الوكيل من الصف الأول لإفساد الكلام، لكن قاضي حماة شرف الدين البارزي أمر بتركهما يتكلمان إذا كانا على يقين من ما يقولان.
تحليل ابن تيمية للنقد الفلسفي
انطلق ابن تيمية بعدها في شرح رؤيته، موضحًا أن الدهرية دخيلة على العرب، إذ جاءت من تجار الحيرة والشام، ومن المؤمنين الزروانيين الفارسيين، ومن أطباء العجم ورهبان الأديرة المتأثرين بالطبائعية الإغريقية. وأشار إلى أن العرب الأوائل استوقفوا مفهومين: الأول نفى القابلية للاتصال المباشر، مستشهدًا بآية «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، والثاني نفى الإعادة والبعث مستندًا إلى آية «من يحيي العظام وهي رميم».
وأوضح أن الدهرية تنفي الموجد الأول وتحول البداية والنهاية إلى مادة عمياء، بينما يثبت العربي الصريح نشأة الخالق، لكن عقله الحسي يواجه قصورًا أمام فكرة النشأة الآخرة، وهو ما أشار إليه القرآن بقول «قل يحييها الذي أنشأها أول مرة». وبالتالي، فإن العرب قبل الإسلام لم يحتاجوا إلى إثبات أصل الوجود بطرائق أهل الأعاجم.
ثم انتقل إلى نقد فكرة استيراد الفلاسفة اليونانيين، مشيرًا إلى رسالة أهل حماة التي استنكروا فيها العرب المشائين الذين استوردوا سكون فيلسوف الجمود الإغريقي «بارمنيدس» واستخدموه لتجريد الخالق من صفات الفعل، وكذلك العرب الإشراقيين الذين استندوا إلى فيلسوف الحركة «هيراقليطس» لتصوير الخالق كتيار من المخلوقين، وأخيرًا العرب المتكلمين الذين خافوا من العدم المطلق فابتدعوا وساطة بين الوجود والعدم.
اختتم ابن تيمية كلامه قائلاً إن العربي قبل الإسلام كان يملك أرضًا خصبة للإثبات، ولم يكن يعاني من جحود عدمي يستدعي طرق الأعاجم. فالإسلام لم يغيّر بنية العربي القديم، بل نطق بكلمة النفي «لا إله» لإلغاء الوسطاء، وعقدها بالإثبات «إلا الله» لتثبيت البوصلة، محافظًا على فهم العربي القديم للإله بصفات حية وفاعلة.



