نظام ذكي إماراتي يجمع الشراكة المجتمعية لمواجهة ترويج المخدرات على الإنترنت

تهديدات الفضاء الرقمي وتطور أساليب الترويج
مع تسارع التحولات الرقمية ظهرت أساليب جديدة للجريمة المنظمة تستغل منصات التواصل والتطبيقات للوصول إلى الشباب والمراهقين، مستفيدة من انتشار المحتوى الإلكتروني وقدرته على تجاوز الحواجز التقليدية والوصول إلى الأفراد داخل منازلهم. لم تعد هذه المنصات مجرد أدوات للتواصل بل تحولت في بعض الحالات إلى قنوات تستخدمها شبكات إجراحية لترويج المخدرات واستدراج الفئات الأكثر عرضة للتأثير عبر وسائل متطورة ومتجددة.
الجهود الإماراتية المتكاملة للتصدي
رداً على هذه التهديدات طورت دولة الإمارات منظومة شاملة تستند إلى تشريعات رادئة، تقنيات حديثة لرصد الأنشطة المشبوهة، تعاون دولي لملاحقة الشبكات العابرة للحدود، بالإضافة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وتعزيز الشراكات مع شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل للحد من انتشار المحتوى الضار. هذه الجسور تتماشى مع الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات التي أطلقها “الجهاز الوطني لمكافحة المخدرات” بالتعاون مع المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات تحت شعار “توحيد الصف لاستئصال الآفة” حيث تركز على تعزيز الوعي المجتمعي والتحصين الاستباقي كخط دفاع أساسي من خلال نشر المعرفة الصحيحة بأساليب إيجابية وملهمة تمكّن الشباب والأسرة من مواجهة التحديات والمخاطر الناشئة عن هذه الآفة، وتشجع على طلب الدعم في العلاج والتأهيل عبر خدمة حصن (80044).
دور الأسرة والمدرسة والحملة الوطنية
تكتسب الحملة أهمية خاصة في ظل التوسع المتسارع لاستخدام المنصات الرقمية وما يرافقه من تحديات تستدعي تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المجتمعية لحماية الشباب من مخاطر الاستدراج الإلكتروني وبناء جيل أكثر وعياً وقدرة على مواجهة الآفة. تشير تقارير دولية إلى أن شبكات الاتجار بالمخدرات أصبحت أكثر اعتماداً على الأدوات الرقمية في الوصول إلى المستهلكين المحتملين، ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أسهم الاتجار عبر الإنترنت في زيادة توافر المواد المخدرة في الأسواق غير المشروعة، بينما تستغل الجماعات الإجرامية المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل للوصول إلى جمهور واسع بما في ذلك الأطفال والمراهقون. كما أظهرت بيانات ذات المكتب تنامي استخدام تطبيقات المراسلة المشفرة ومنصات التواصل في عمليات البيع المباشر للمستهلكين، ما يعكس تحولاً متسارعاً في أساليب الاتجار من القنوات التقليدية إلى الفضاء الرقمي، حيث أكدت المسوح الدولية أن المبيعات عبر المنصات الرقمية وتطبيقات المراسلة المشفرة ازدادت خلال السنوات الأخيرة مقارنة بالعقد الماضي نظراً لسهولة الدفع الإلكتروني عبر العملات المشفرة وإخفاء الهوية.
ولم يقتصر هذا التحول على تغيير قنوات التواصل والتوزيع فحسب، بل امتد ليشمل تطوير أساليب الترويج والاستهداف التي تستخدمها الشبكات الإجرامية للوصول إلى ضحاياها، فقد شهدت تجارة المخدرات تحولاً نوعياً في أدواتها وآليات عملها، فبعد أن كانت تعتمد على التواصل المباشر أو الشبكات التقليدية، أصبحت تستفيد من البيئة الرقمية للوصول إلى الأفراد داخل منازلهم مستغلة الانتشار الواسع للمنصات الاجتماعية وسهولة التواصل الفوري. تتيح بعض المنصات للمروجين إخفاء هوياتهم الحقيقية وإنشاء حسابات وهمية واستخدام رموز ومصطلحات يصعب على غير المختصين فهم دلالاتها، كما يتم استغلال خصائص تقنية مثل الرسائل المؤقتة والمجموعات المغلقة والبث المباشر لبناء قنوات تواصل يصعب اكتشافها في مراحلها الأولى، ما يجعل أي هاتف ذكي أو حساب إلكتروني منفذاً محتملاً لمحاولات التأثير والاستدراج.
ويشكل الشباب والمراهقون الهدف الأكثر جاذبية للمروجين نظراً لما تتميز به هذه المرحلة العمرية من فضول ورغبة في الاستكشاف وتكوين العلاقات الاجتماعية وإثبات الذات. وتعتمد أساليب الاستدراج الحديثة على التأثير النفسي أكثر من الترويج المباشر، حيث يتم تقديم المحتوى الضار ضمن سياقات ترفيهية أو اجتماعية أو ثقافية تبدو في ظاهرها بعيدة عن المخدرات، كما يتم استغلال بعض التحديات التي قد يواجهها الشباب مثل الضغوط النفسية أو العزلة الاجتماعية أو البحث عن القبول والانتماء لتسهيل عمليات التأثير التدريجي. وتكمن الخطورة في أن عملية الاستهداف قد تبدأ بمتابعة حساب أو مشاهدة محتوى معين أو محادثة عابرة قبل أن تتطور إلى بناء علاقات افتراضية ومحاولات للتأثير أو الابتزاز أو التورط في أنشطة غير قانونية، وتزداد خطورة هذه الممارسات مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الاستهداف الرقمي القادرة على توجيه المحتوى لفئات محددة بناءً على اهتماماتها وسلوكها الرقمي.
ورغم أهمية الأدوار الأمنية والتشريعية والتقنية، تبقى الأسرة والمؤسسات التعليمية الركيزة الأساسية في جهود الوقاية المبكرة، حيث تمثل الأسرة الواعية الحصن الأول لحماية الأبناء من المحتوى الضار من خلال بناء جسور الثقة والحوار المفتوح ومتابعة الاستخدام الرقمي بصورة إيجابية والتعرف إلى طبيعة المنصات والتطبيقات التي يستخدمها الأبناء. كما يسهم تشجيع الأبناء على الحديث بصراحة عن تجاربهم الرقمية وغرس القيم الإيجابية وتعزيز الانتماء الأسري في رفع مستوى الحماية الذاتية لديهم وتقليل احتمالات تعرضهم لمحاولات الاستدراج.
وفي المقابل، تلعب المؤسسات التعليمية دوراً محورياً في بناء وعي الطلبة وتعزيز مهارات التفكير النقدي لديهم بما يمكنهم من التمييز بين المحتوى الآمن والمحتوى الضار، ولا يقتصر دور المدرسة على التوعية بأضرار المخدرات بل يمتد إلى تعزيز الثقافة الرقمية الآمنة وتعليم الطلبة كيفية التعامل مع المخاطر الإلكترونية والإبلاغ عن أي محتوى مشبوه أو محاولات استدراج قد يتعرضون لها. كما تمثل البرامج التوعوية والأنشطة الطلابية واللقاءات مع المختصين أدوات فعالة لترسيخ ثقافة الوقاية وتعزيز المسؤولية الفردية والمجتمعية خصوصاً في ظل تزايد الوقت الذي يقضيه الشباب على المنصات الرقمية.
نتائج ميدانية وتأكيد على الاستمرارية
وتعكس النتائج الميدانية حجم الجهود التي تبذلها دولة الإمارات في مواجهة الترويج الرقمي للمخدرات، حيث نجحت الجهات المختصة في رصد وحجب 2297 موقعاً إلكترونياً وحساباً على شبكات التواصل الاجتماعي تروج للمخدرات والمؤثرات العقلية، في إطار العمل المستمر لرصد المنصات الرقمية والتعامل مع الأساليب الحديثة التي يستخدمها المروجون للوصول إلى ضحاياهم. وتؤكد هذه الجهود أن مكافحة المخدرات في العصر الرقمي لم تعد تقتصر على ملاحقة المواد والشبكات الإجرامية بل أصبحت تشمل تعزيز أمن الفضاء الإلكتروني وتطوير أدوات استباقية قادرة على مواكبة التهديدات المتغيرة والحد من مخاطرها.
وفي الوقت الذي تواصل فيه دولة الإمارات تطوير منظومتها المتكاملة لمكافحة المخدرات ومواكبة التحولات المتسارعة في الفضاء الرقمي، تبرز أهمية بناء وعي مجتمعي راسخ يعزز قدرة الأفراد ولا سيما الشباب على التمييز بين المحتوى الآمن والمحتوى الضار ويحد من فرص استغلال المنصات الرقمية للوصول إليهم. ومن هنا تكتسب الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات “توحيد الصف لاستئصال الآفة” أهمية خاصة باعتبارها تجسيداً لنهج وطني يقوم على الشراكة والتكامل بين الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المعنية، وترسيخ ثقافة الوقاية والمسؤولية المشتركة، حيث تتطلب حماية الشباب من مخاطر المخدرات في العصر الرقمي تضافر الجهود وتكامل الأدوار، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً ومناعة وجاهزية لمواجهة التحديات المستجدة ويحافظ على مكتسبات الوطن وأمنه واستقراره ومستقبل أجياله.



